طبيعة واحدة لله المثلث الأقانيم

طبيعة واحدة لله المثلث الأقانيم

يواجه لاهوتيو العصر الحديث صعوبة في فهم ماهيّة الله وفهم وماهيّة الإنسان، فكما أن الله له طبيعته الواحدة كذلك أيضاً فإن الجنس البشري مجتمعاً له طبيعة واحدة فقط بالرغم من التعداد السكاني، ولكن يجد الإنسان صعوبة في فهم الموضوع وذلك بسبب الخبرة المعرفية التي عنده بوجود الملايين بل والمليارات من البشر ويعرف بأنهم ليسوا بواحد، ا ّلا أنه علينا أن ندرك بأن الإنسانية تشمل العنصر البشري بأكمله، وأنه في الحقيقة يوجد طبيعة واحدة لكل البشر، وطبيعة واحدة لله.
من تعاليم الآباء القديسين نعرف بأن الجسد والنفس يعودان للطبيعة الإنسانية ومعهما يتشكل الشخص الإنساني أي الأقنوم (الذي به يتميَّز كل شخص عن الآخر)، وبالتأكيد "لا يوجد طبيعة بدون شخص" بحسب قول القديس يوحنا الدمشقي، بمعنى آخر لا يوجد طبيعة خالية من الأقنوم أو الشخص.  الشخص أو الفرد أوالأقنوم بالنسبة للآباء القديسين هي كلمات لها نفس المعنى. ما هو الشخص أو الأقنوم؟ وماهي الطبيعة؟ إن طبيعة الإنسان هي الينبوع الوحيد الذي منه ينبع كل الأشخاص البشريين، وهذه الطبيعة هي نفسها موجودة عند كل البشر، أي أن كل إنسان عنده: 
1- جسم يفكر 
2- نفس خالدة بالنعمة، 
وبالنتيجة فإن كل ما هو مشترك بين جميع البشر يش ّكل الطبيعة البشرية، ويستخدم الآباء في كثير من الأحيان اسماً مرادفاً للطبيعة ألا وهو الجوهر (ملاحظة: عندما نسمع بطرس الرسول يقول: "نحن شركاء الطبيعة الإلهية" فإنه لا يعني بذلك أننا نشترك مع الله بالجوهر وإنما يقصد بأننا نشترك معه في قدراته الطبيعية غير المخلوقة) وبالرغم من أن للجنس البشري طبيعة واحدة وجوهر واحد إلا أنه يتمايز كل فرد عن الآخر بشيء يسمى (الأقنوم أو الشخص) وهو الذي يجعلهم غير متشابهين، فتراهم وكأنهم خارجون من نتاج المصنع الواحد إلا أن كل واحد منهم يختلف عن الآخر بالاختلافات التي تعود لشخص كِّّل منهم، ولكل شخص طريقته في التفكير والإرادة. لا نستطيع أن نجد ولا في أي مكان ما جوهراً بدون شخص يخص ذلك الجوهر، ولكننا نستطيع أن نجد هذا الجوهر في عدة أشخاص، وكل ّشخص يمثل طريقة مختلفة في الوجود لطبيعته أو لجوهره إنه في الواقع كل شخص يختلف عن الشخص الآخر بالرغم من أن الجوهر والطبيعة مشتركة فيما بين جميع البشر بالتساوي وبنفس الدرجة، دون أن تق ّسم تلك الطبيعة أو تَُجزأ، إّلا أن أشخاصهم متمايزين ومنفصلين بعضهم عن البعض فكل منهم له بصمته الخاصة، وهذا ما يمكننا من تمييز كل إنسان عن الآخر، لذا فإننا نرى أن أعمال كل شخص منهم تختلف عن أعمال ذويه المشتركين معه في الطبيعة. إذاً هناك تمايُز بين أبناء الطبيعة الواحدة وهذا يظهر في كثيرين، حتى يقوموا بأعمال مختلفة كل عن الآخر، لنخرج بنتاج عمل جيد ومتكامل، دون أن يكونوا على علاقة وجودية فيما بينهم، أي أن كل شخص يقوم بعمله الخاص بشكل منفرد ومستقل عن الشخص الآخر.
إذاَ، شيء ما مشترك بين جميع الأشخاص من ناحية الميزات التي تعود إلى الطبيعة البشرية والجوهر البشري الواحد، وهذه الميزات قدا تتفاوت من شخص إلى آخر، ولكن يوجد ميزات أساسية يشترك بها جميع أفراد البشر. قد يكون هناك علاقات بين الأفراد أو الأشخاص دون أن يكون هناك اشتراكاً بينهم. شيء هو العلاقات وشيء آخر هو الاشتراك، لذلك يعلّمنا الآباء القديسون بأن الأفراد لا يشتركون الواحد مع الآخر من ناحية العلاقات وأن كل واحد منهم مستقل بالقدرات والتفكير والإرادة بغض النظر عن علاقاتهم مع بعضهم البعض.
هذا ما نقوله عن الثالوث الأقدس، واحد هو الله لأن طبيعة الله وجوهره واحد، وكون الله لا يوجد عنده طبيعة دون أقنوم لذلك هناك ثلاثة أقانيم أو ثلاثة أشخاص وهم الآب الذي هو بلا علّة، الابن الذي هو من الآب (الذي يلده)، والروح القدس المنبثق من الآب كون الآب يبثقه.
إن الثلاثة أقانيم في الثالوث كٌّل له ميزته في الجوهر الواحد، وأما عملية الولادة أوالانبثاق فهما طرق الوجود، فالثلاثة أقانيم لا يوجد بينهم أية علاقة وجودية مشتركة، أي أن أقنوم الآب لا يستطيع أن يشترك مع أقنوم الابن في ولادة أقنوم آخر، ولو حدث هذا لما كان الآب آب ولكن (أبو الابن)، الآب له ميزة بين الأقانيم الثلاثة، 
أولاً: أنه غير معلول 
، ثانياً: يلد الابن ، 
ثالثاً: يبثق الروح القدس. هذه الميزات هي من اختصاص الآب الذي لا يمكن أن يشترك بها أي من الأقنومين الآخرين.
الابن له ميزة بين باقي الأقانيم في أنه مولود من الآب كونه يولد منه، وهذه الميزة لا يمكن أن يشترك بها لا الآب ولا الروح القدس، وكذلك الروح القدس له ميزة الانبثاق، إن هذه الميزة الأقنومية تعود إلى الأقنوم ذاته، وبالتالي لا يمكن أن يشترك فيها لا الآب ولا الابن. الآب له علاقة فقط مع الابن ومع الروح لأنه هو علّة الأقنومين، فالابن يولد منه، والروح ينبثق منه أيضاً، ولكن الجوهر واحد ما عدا الميزات الأقنومية.
جميع الصفات الطبيعية أو الجوهرية مشتركة للثالوث (المجد، الُملك، العظمة، كلّي القدرة، طول الأناة، المحبة) كل هذه تعود إلى الثلاثة أقانيم، وهكذا فإن الشركة ليست بين الأقانيم وإنما في الطبيعة والجوهر والقدرات الطبيعية أي مشاركة الطبيعة، بكلمات أخرى فإن الآب لا يشترك مع الابن والروح كأقنوم وإنما كإله وطبيعة، وهذه الطبيعة مشتركة مع الابن والروح أيضا، وهكذا فإن الجوهر والقدرة للإله اي طبيعته هي مشتركة للثالوث الأقدس، إذاَ شيء هو الشركة وشيء آخر هو العلاقة. لا نستطيع أن نتكلم عن شركة الأقانيم الواحدة في القدرة والجوهر، ومن ثم نتكلم عن العلاقة بين الأقانيم وكأنها واحدة كل ٌّ مع الآخر مثلما قلنا عن شركة الجوهر، فهي ليست تعبير خاطئ وحسب ولكنها أيضاً تستدعي اختلاطاً كبيراً في المعاني، بها نخلط بين الأشخاص والأشياء غير القابلة للمشاركة فيما بينها، فالمشاركة تكمن فقط بالطبيعة، ومن هذا الخلط تبدأ جميع الهرطقات ويجب ألا نخلط شخص كل من الاب مع الابن مع الروح القدس، ولا يجب أن نخلط بين شخص الآب مع طبيعته وجوهره. إن أقنوم الآب هو العلّة للأقنومين الآخرين، أي للابن وللروح القدس، لذلك فإن الرب يدعى ينبوع الألوهة كما يقول القديس ذيونيسيوس الأريوباغي، ولكن هذا لا يعني أن منه تنبع ألوهة الآب أي جوهره، إن الآب فقط هو علّة الابن والروح أي يلد الابن ويبثق الروح القدس ويشترك معهما في الجوهر وفي القدرات، ولا في أي شكل من الأشكال تؤمن أن الآب هو مصدر ألوهيته، لأن الجوهر ليس أقنوما، حتى لا يكون الآب هو مصدر ألوهيته وإلا لكان الجوهر أقنوماً رابعاً، ولذلك يجب أ ّلا نخلط بين الجوهر والقدرة، وكما يقول القديس غريغوريوس بالاماس: "انه علينا أن نفهم ما هو الثلاثة أقانيم، فإن الضياء هو من الثلاثة أقانيم بينما الطبيعة هي للأقانيم الثلاثة".

ترجمة قدس الأيكونومس الدكتور إبراهيم دبّور 

| Return

Responsive image

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مطرانية الروم الأرثوذكس