الحبل بوالدة الإله

الحبل بوالدة الإله

 

إن فحوى عيد الحبل بوالدة الإله له علاقة بعيد ميلاد مريم العذراء، وهو موجود تاريخياً في "الإنجيل الاول ليعقوب" الذي يعتبر من الأناجيل المنحولة، وقد سمّي بهذا العنوان في القرن السادس عشر، علماً بأن هذا الأنجيل كان موجوداً ضمن المخطوطات القديمة تحت مسميات مختلفة، وفي هذا الأنجيل يسرد حدث الحبل بوالدة الإله وولادتها. ويقال أن القديس يعقوب اخو الرب هو من كتب هذه السيرة كونه ابن يوسف خطيب مريم. 

تعزي الدراسات كتابة هذه السيرة إلى القرن الثاني الميلادي، ودراسات أخرى تعزيها إلى بداية القرن الثالث وتدعى هذه الأناجيل (أبوكريفا) أو (الأناجيل المنحولة) والترجمة لهذه المسميات تعني "كتابات كاذبة"،  بينما تُدعى بحسب اللغة الكنائسية بالكتب المشكوك في من هو كاتبها، أو في صحتها كونها لم تدرج ضمن الكتب القانونية للكتاب المقدس.

بحسب الأنجيل المنحول (الأنجيل الأول ليعقوب) يفيد بأن يواكيم والد ولعذراء مريم كان رجلاً غنياً وكان يقدم للهيكل ضعف ما يقدمه أي رجل آخر، وفي احد الأعياد الرئيسية، ويعتقد بأنه عيد العرش او المظال، وبينما كان يواكيم داخلا مبكراً إلى الهيكل ومعه تقدمته، قام الكاهن بمنعه من تقدمة قربانه أولاً وذلك لأن يواكيم لم يكن عنده أبناءً، حينها تأثر يواكيم بهذا الحدث وعوضا أن يعود إلى منزله وزوجته حنه، ذهب إلى البرية وسكن في خيمة مدة أربعين يوماً، قضاها في الصوم والصلاة.

وأما حنّة فعند معرفتها بهذا الأمر ابتدأت بالنوح والنحيب، وكان ذلك لسببين: الأول هو فقدانها لزوجها، والثاني لعدم وجود أبناء لديها، واستمرت حنة بالصلاة والتضرع إلى الله إلى أن ظهر لها الملاك وأخبرها بأنها ستحبل وتلد وأن كل المسكونة سوف  تتكلم عن نسلها، وقام الملاك بإبلاغ يواكيم أيضاً بهذا الخبر، حينها عاد يواكيم واجتمع بزوحته حنّة، وبعدها حبلت حنّة بمريم العذراء.

يذكر كتاب السنكسار (أي كتاب حياة القديسين) هذه الحادثة ويقول أن ربنا وسيدنا الذي أراد أن يهئ  لذاته هيكلاً متنفساً وبيتاً مقدسا ً ليسكن فيه، أرسل الملاك إلى البارّين يواكم وحنة وبشرهما بالحبل، وهذا يعني أن الحبل تم بالطريقة المتعارف عليها أي من زرع رجل ورحم أمرآة، وأنه من خلال الملاك أراد أن يعلن ويؤكد لهما ان هذا تم بنعمة الله، ثم تمّت الولادة بعد تسعة اشهر. لقد كُتب هذا لنا كي نعرف أن الشخص الوحيد الذي وُلِد من عذراء وبدون زرع رجل هو الرب يسوع المسيح، أما الحبل بوالدة الإله فقد تم بقدرة الله ومن خلال اتحاد والديها (اي من رجل وامرأة) وهذا يعني ان زرع يواكيم استطاع بقدرة الله أن يجعل القديسة حنة حاملاً. الله القادر على خلق الإنسان من العدم حوَّل رحم حنة من رحم عاقر إلى رحم يلد وكذلك أيضاً زرع يواكيم.

يعتبر هذا الحدث تاريخي وروحاني، تم هذا الحدث في لحظة معينة من الزمن ولكنه تمّ بقدرة الله، فكل شيء جميل يحدث في هذا العالم إنما يتم بقدرة الله، لان هذا الكون لا يعمل ضمن النواميس الطبيعية فحسب وإنما أيضاً يعمل ضمن النواميس الروحية، فهذا الحدث تم اليوم ولكن بتدخل خاص من الله كونه بتدخله هذا حلّ عقر وعقم حنّة.

لذلك نجد أن طروبارية العيد تتكلم عن هذا  الموضوع قائلة :"اليوم تحل قيود العقر فإن الله قد استجاب صلاة يواكيم وحنة، فوعدهما جليا بانهما يلدان على غير أمل فتاة الله التي ولد منها متأنساً، وهو غير متحيز ولا محصور، وقد أمر الملاك يهتف نحوها قائلاً: (السلام عليك يا ممتلئة نعمة الربُ معكِ)" أي أن الله قد وعد بهذا الحبل بواسطة الملاك ليؤكد انه ما تم كان بقدرته الإلهية ، وهذا الاعلان تم من قبل رئيس الملائكة جبرائيل وهو الذي بشر العذراء مريم ايضاً لانه هو خادم سر التدبير الإلهي.

بحبل القديسة حنة انحل عقرها الذي كان يعتبر في العهد القديم عاراً، ما يعني أن المرأة العاقر فاقدة الأمل بأن يأتي من نسلها العذراء التي ستلد المسيح. في تراتيل عيد حبل حنة بالعذراء يُذكر بأنها ستلد العجلة التي ستلد العجل المسمَّن أي المسيح.

"إن الزوجين الموقرين قد اثمرا العجلة الإلهية التي منها سيأتي على منوال يتعذر وصفه العجل المسمَّن، حقاً الذي يُذبح عن العالم كلّه فلذلك يسديان للرب مبتهجين  بخشوع شكرا لا ينقطع ويكون العالم مديوناً لهما بالشكر،ً فلنغبطهما إذاً ولنرقصن رقصاً الهياً عن إيمان طرباً بحبل المولودة منهما ام الهنا التي تمنح العالم بسخاء عظيم الرحمة)

(أبوستيخونات الغروب) :

هذا الحدث يذكرنا بمثل الأبن الضال ويذكرنا بالعجل المسمن الذي ذبحه والده عندما عاد هذا الابن الضال إلى بيته الأبوي وهذا يعني أن هذا المثل يذكرنا بسر الشكر الإلهي الذي به نتناول جسد ودم المسيح.

وفي تراتيل هذا العيد فإن العذراء توصف بأنها السماء التي خلقت في احشاء حنة بقدرة الله التي منها سيشرق من احشائها شمس العدل.

وهذا ما يقوله المرنم في الكاثيسمة الاولى. "اليوم تقام في بطن حنة بإشارة الله صانع كل الاشياء السماء الجديدة التي اشرقت منها الشمس التي لا تغيب اعني المحب البشر الذي ينير باشعة لاهوته العالم كله عن فرط تحنن ورأفة.

 هذه الصورة التي تصوّر المسيح الشمس تجسّد العلاقة بين المسيح ومريم العذراء أي بحبل حنة بوالدة الإله في رحمها قد تشكلت السماء الجديدة التي منها ستشع الشمس اي شمس الله المحب البشر الذي سينير العالم باشعته الإلهية.  

عندما نقرأ للقديس يوحنا الدمشقي نراه يسمّي زرع القديس يواكيم بالزرع الكلّي الطهر، هذا يعني عندما يتقدس الإنسان بنعمة الله كونه يتنسّك ويمارس الصلاة والصوم والعفة، حينها تتقدس نفسه وجسده بالكامل.

ولكن هذا له معنى خاص كونه يخص طهارة أجداد والدة الإله في العهد القديم. إن ابرار العهد القديم الذي كانوا اجداداً لوالدة الإلهة قد تقدّسوا بصلواتهم وتألههم واستحقاقهم من الله، وتنقوا وعاشوا حياة التأله، وكذلك استحقوا بان يُدعو متالهين. وهذا التأله نتيجته تؤول إلى قداسة الجسد ايضاً.

ويذكر القديس غريغوريوس بلاماس حول موضوع الجهاد الروحي والنسكي لوالدي العذراء مريم واللذين كانا يتهيئان للحبل بوالدة الإلهة يقول : "ان يواكيم العفيف قد ذهب إلى البرية ساكنا هناك محافظاً على الصلاة والصوم إلى الله كي يصبح اباً. ولم يوقف صلاته ولم يعد إلى بيته الا بعد ان بُشر من الملاك الذي بشره باستجابة صلاته وما أن قبل البشارة عاد إلى بيته. ونفس الشيء صنعت زوجته حنة التي حجرت على ذاتها في منزلها بقلب منسحق كانت تدعو الله قائلة: "استجب لي يا الله يا اله آبائنا وباركني كما باركت رحم سارة".

لقد سمع الله صوتهما وباركهما ووعدهما، وبعد ذلك لبى لهما طلبهما وأعطاهما ابنة، التي ولدت خالق الكل، وقد ألّه جنس البشر، وجعل الأرض سماءً ومنها أصبح ابن الله ابن البشر وبالتالي جعل البشر أولاد الله. من كلام هذا القديس نراه يمدح هذه العلاقة الزوجية بين يواكيم وحنة لانها تشارك الرهبان في حياة النسك والصلاة. قبل الحبل سبق العفة والصوم والصلاة وأيضاً، الصلاة التي بها الصبر إلى ان استجاب الله لطلباتهما. واجتمعا بعد صوم وصلاة وطاعة لله. وبهذه الطريقة فإن جسدهما قد تنقى.

ولكن نقاء زرع يواكيم كان نتيجة نقاء زرع سلفه من الآباء والأجداد. والقديس غريغوريوس بلاماس في احدى عظاته حول الآباء والاجداد لربنا يسوع المسيح يقول أن الروح القدس دبر مجئ والدة الإله بان نقى واختار جميع آباء واجداد المسيح بالتتابع وقبل جميع المستحقين الذين سيصيرون في المستقبل أجداد ورفض جميع غير المستحقين. مع ان مريم العذراء قد وُلِدت بحسب الجسد ومن زرع ادم التي ولد منها المسيح الا ان الله قد نقى جميع سلالتها الجسدية . كما ان الله اختار نوح كونه كان كاملاً وباراً  في كل جيله.

وبالتالي فإن نقاوة مريم العذراء والتي تؤهلها لأن تصبح والدة الإله، تعود إلى النعمة الإلهية وإلى جهادها الروحي الشخصي، وأيضاً إلى نقاء سلالتها من الآباء والأجداد. وهذا مهم جداً كي يعلّم المسيحيين كيف يتهيأون لسر الزواج المقدس واهلهم من قبلهم حتى يبدأوا الحياة الاسرية. تلعب العفة قبل الزواج والصوم والصلاة وكل ما تطلبه الكنيسة دوراً هاماً جداً في انجاب الاولاد وتربيتهم.

اللعنة والبركة:

في طروباريات العيد نجد انه بالحبل بوالدة الإله قد حُلّ عقر حنة وذهبت لعنة عار عدم الانجاب. وبالتالي هذا لم يكن فقط لفرح حنة لوحدها بولادتها مريم العذراء، ولكن كانت بركة لكل البشرية لأنه قد تم ولادة العذراء والتي اصبحت أمّاً المسيح.

 ان عملية التكاثر المتعارف عليها التي للبشر قد صارت بهذه الطريقة بعد السقوط، اي هي ظاهرة ما بعد السقوط لان السقوط صار بسبب خداع الشيطان، وأيضاً بسبب الاختيار الخاطئ للانسان وبالتالي قد دخل الموت إلى داخل الطبيعة البشرية. لأن هذا الموت لم يكن نتيجة للاردة الطبيعية كون الطبيعة الانسانية كانت جيدة ولكن كنتيجة للادارة الفكرية. لقد كان الشيطان يكره الجدين الاولين، وكونه كان يرى انهما سيصلان إلى رؤية المجد الإلهي في الفردوس، والذي طرد منها هو أولاً.

وهكذا فان السقوط ادخل للانسان الشهوة التي هي الفناء والألم، وهذه كانت سبب تحطم الطبيعة البشرية وهذا ما يقوله القديس ماكسيموس المعترف.

إن آباء الكنيسة مثل القديس غريغوريوس النيصصي وماكسيموس المعترف وغريغوريوس بلاماس يقولون ان الله بعد السقوط خاط ثياباً جلدية والتي ترمز الى الفناء والاهواء والموت الذي دخل إلى الطبيعة البشرية. ومن خلال هذه قد دخلت أيضاً  طريقة انجاب الاولاد مع أن هذه الطريقة قبل السقوط كانت طريقة لتكاثر الحيوانات ولكن الله قد بارك هذه الطريقة حتى يستمر وجود الحياة الفسيولوجية وبالتالي يفشل خطة الشيطان التي كانت تهدف إلى فناء البشرية.

هذا يدل على أن ولادة أي إنسان هي بركة ، هي انتصار على الموت استمرارية الحياة الوجودية، وبالرغم من أنه مع كل ولادة انسان يزداد الموت، كون الإنسان يولد ويأتي إلى الوجود ثم سيموت بعد فترة، إلّا أنه مع ولادة البشر أُبطل فناء الجنس البشري. وأيضاً عدم الانجاب في فترة  العهد القديم كانت تعتبر ضعف في الطبيعة البشرية وكأنها علامة على عدم بركة الرب لأن الله هو الذي يجعل الرحم يحمل. وأيضاً من الناحية اللاهوتية فإن المرأة العاقر كانت تعتبر بانها لا تشترك بتهيئة البشرية لمجئ المسيح الذي سيأتي ويخلصنا من الخطيئة ومن الشيطان والموت، وفي هذا المعنى فإن عدم القدرة على انجاب الأولاد كانت تعتبر لعنة وعار، ولكن في فترة العهد الجديد لا يوجد معنى لهكذا موضوع، لانه بمجئ المسيح قد أميت الموت بمعنى انه فقد موته (1 كور 15 : 54-55) وسيمات كلياً بالمجيء الثاني للمسيح بحسب قول بولس الرسول "واخر عدو يبطل هو الموت" (1 كور 15 : 26) وهكذا فإن الزوجين العاقرين اللذين بعد عدة محاولات لم يستطيعا الانجاب، ليس عليهما أن يحزنا لأنهما عندهما المقدرة أن يقدما ذواتهما بالكلية إلى الله والقريب.

وأيضاً في فترة العهد الجديد بالحبل والولادة تستمر الحياة وأيضاً يستمر وجود الموت الذي يولد الخطيئة ويقول الرسول: عندما يتكلم عن تجسد المسيح الذي اخذ جسداً ميتاً ويحمل الأهواء كي ينتصر على الموت ويكتب قائلاً في (رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 2: 14 - 15) "فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ " إن الخوف من الموت ينشئ الخطيئة وأهواء وحب الفضة وحب الشهوة والمحبة الباطلة وكل من يرتبط بالمسيح فعنده القدرة أن يبطل الخوف من الموت والخطيئة المرتبطة بهذا الخوف. وللاسف كثير من الناس اليوم لا يعتبرون عدم الإنجاب عاراً وفي ذات الوقت يعتبرون أن الإنجاب لعدد كبير من الأولاد هو عيب.

إن انحلال عقر حنّة قد احضر البركة ألا وهي ولادة والدة الإله، وهي كبتول ولدت المسيح. وهكذا فإن الكلية القداسة قد جمعت ما بين البتولية والنفاس أي أم وعذراء وتحمي الأمهات والعذارى الذين يعيشون حسب المسيح.

مقال لقدس الإيكونومس

الدكتور إبراهيم دبور

تاريخ: 20/12/2020

| Return

Responsive image

جميع الحقوق محفوظة © 2020 مطرانية الروم الأرثوذكس